حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
116
شاهنامه ( الشاهنامه )
فأخبر بأن رسولا جاء كالهزبر الغضبان . فأمر قوّاد الجن ونخب فرسانهم وأنجاد شجعانهم باستقباله وتلقيه . ولما وقعت عين رستم عليهم قلع شجرة كانت بين يديه ، ورفعها كما يرفع المزارق . فقضوا العجب من ذلك . ولما قرب منهم رماها . فتلاقوا وتسايلوا . ثم جاء واحد من فرسانهم وقبض على يد رستم . فتبسم رستم وعصر يده حتى تغير لونه ونخب قلبه . وأخبر الملك بذلك فدعا بجنى يسمى كلاهور ، وكان أقوى عسكره وأشدّهم ، وكان كالنمر في خلقه لا يشتهى غير الهراش والحرب ، وفأمره باستقبال الرسول وإظهار رجوليته له . فركب وتلقى رستم وسايله مسايلة المتنمر . ثم مدّ يده إلى يد رستم فعصرها حتى صارت في لون النيل . ففتل رستم يده وعصرها حتى تساقطت أظفاره . فعاد ودخل على الملك وأراه يده ، ولم يقدر أن يخفى ما يجد من الألم . وقال : السلم خير لك من الحرب . فلا تضيق على نفسك مسالك الطريق الرحب . فإنك لا تطيق مكاشرة كيكاوس ومقاومته . فإن لان لك فالأولى أن ترضى بقبول الخراج والجزية وتقسمها على أهل مازندران صغيرهم وكبيرهم . ووصل رستم في تلك الحالة ودخل على الملك كالليث الثائر . فأجلسه الملك في موضع يليق به ، وو سايله عن كيكاوس وعسكره ، وذا كره في عناء سفره . ثم قال : أأنت رستم ذو البراثن الشديدة والأعضاد القوية ؟ فقال : إنه السيد وأنا الغلام . وكيف يقاس بالصبح الظلام ؟ ودفع اليه الكتاب ، وبلغه الرسالة . فقرأه ثم أقبل على رستم وقال : ما هذه المخاطبة الشنيعة والمطالبة الفظيعة ؟ قل كيكاوس : إن كنت مالك إيران وأنت أجرأ من ليث خفان فأنا ملك مازندران المعتصب بتاج سلطنتها والمستقر على سرير مملكتها . وليس من رسم الأكابر أن يستنهض مثلي إلى خدمتك . فتفكر في نفسك ، ولا لتعرّض للاستيلاء على أسرّة الملوك . فإنه ارتفاع يورث الانخفاض . فارجع إلى مملكت ، ولا حدّث بغير ذلك نفسك . فانى إذا زحفت في عساكرى نحوك لم تعرف رأسك من ذنبك . وإني إذا واجهتك في مأزق الحرب حسمت مادة حدّتك بالصارم الغضب . فنظر رستم إلى الملك وأصحابه ، ولم يوافقه ذاك الخطاب العنيف . فاضطرم غضبه ، ولم يقبل منه لا خلعة ولا ذهبا . وركب وعاود حضرة كيكاوس تغلى مراجل بأسه ، وتشتعل نائرة غيظه . فذكر له ما سمعه من الرسالات الموغرة والبلاغات الموحشة وقال : لا تستهولن ذلك وتقدّم وتأهب للقتال . واعلم أن أسودهم ورجالهم أحقر في عيني من التراب . خروج ملك مازندران بجيشه لحرب كيكاوس قال : ولما خرج رستم تأهب ملك السحرة صاحب مازندران للقتال ، وأمر فضرب سرادقه على ظاهر المدينة . وبرزت عساكره وساروا فارتفع من مسيرهم عجاج كسف عين الشمس ، وصار لا يرى بر ولا بحر ، ولا يبين حزن ولا سهل . وكأن الأرض تئن تحت مناسم